عمر السهروردي

294

عوارف المعارف

وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالسهر والحمى » . والتآلف والتودد يؤكد أسباب الصحبة ، والصحبة مع الأخيار مؤثرة جدا . وقبل قيل : لقاء الإخوان لقاح . ولا شك أن البواطن تتلقح ويتقوى البعض بالبعض ، بل بمجرد النظر إلى أهل الصلاح يؤثر صلاحا ، والنظر في الصور يؤثر أخلاقا مناسبة لخلق المنظور إليه ، كدوام النظر إلى المخزون يحزن ، ودوام النظر إلى المسرور يسر . وقد قيل : من لا ينفك لحظه لا ينفك لفظه . والجمل الشرود يصير ذلولا بمقارنة الجمل الذلول ، فالمقارنة لها تأثير في الحيوان والنبات والجماد ، والماء والهواء يفسدان بمقارنة الجيف . والزروع تنفى عن أنواع العروق في الأرض والنبات لموضع الإفساد بالمقارنة . وإذا كانت المقارنة مؤثرة في هذه الأشياء ، ففي النفوس الشريفة البشرية أكثر تأثيرا . وسمى الإنسان إنسانا لأنه يأنس بما يراه من خير وشر . والتآلف والتودد مستجلب للمزيد ، وإنما العزلة والوحدة تحمد بالنسبة إلى أراذل الناس وأهل الشر ، فأما أهل العلم والصفاء والوفاء والأخلاق الحميدة فيغتنم مقارنتهم ، والاستئناس بهم استئناس باللّه تعالى ، كما أن محبتهم محبة اللّه ، والجامع معهم رابطة الحق ، ومع غيرهم رابطة الطبع . فالصوفى مع غير الجنس كائن بائن ، ومع الجنس كائن معاين . والمؤمن مرآة المؤمن ، إذا نظر إلى أخيه يستشف من وراء أقواله وأعماله وأحواله تجليات إلهية ، وتعريفات وتلويحات من اللّه الكريم خفية ، غابت عن الأغيار ، وأدركها أهل الأنوار .